سيد قطب
3376
في ظلال القرآن
هيئات السحب في السماء حين تكون موشاة كالزرد مجعدة تجعد الماء والرمل إذا ضربته الريح . وقد يكون هذا وضعا دائما لتركيب الأفلاك ومداراتها المتشابكة المتناسقة . يقسم بالسماء المنسقة المحبوكة على أنهم في قول مختلف ، مضطرب لا قوام له ولا قرار ، ولا ثبات له ولا استقرار ، يصرف عنه من صرف ويبقى عليه من بقي ، فلا استقرار عليه ولا توافق ولا ثبات . بل الحيرة دائمة والقلق لا يزال . وكذلك الباطل دائما أرض مرجرجة مهتزة ؛ وتيه لا معالم فيه ولا نور ؛ وهو يتأرجح ولا يفيء إلى أصل ثابت ، ولا ميزان دقيق . ولا يجتمع عليه أهله إلا لينصرفوا ويتفرقوا بعد حين ؛ ويدب الخلاف بينهم والشقاق . . ويتضح اضطرابهم واختلافهم وما هم فيه من الأمر المريج : حين يعرض في ظل السماء ذات الحبك المنسقة التركيب . ثم يستطرد فيقرر أنهم يعيشون في أوهام وظنون في أمر الآخرة ، لا يستندون فيها إلى حق أو يقين . فهم في قول مختلف في هذا الحق المبين . ثم يصور لهم ذلك اليوم في مشهد حي تتملاه العيون : « قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ . يَسْئَلُونَ : أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ؟ يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ . ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ ، هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ » . . والخرص : الظن والتقدير الجزاف الذي لا يقوم على ميزان دقيق . واللّه - سبحانه - يدعو عليهم بالقتل . فيا للهول ! ودعوة اللّه عليهم بالقتل قضاء بالقتل ! « قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ » ويزيد أمرهم وضوحا : « الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ » فهم مغمورون بالأضاليل والأوهام لا يفيقون ولا يستيقظون . والتعبير يلقي ظلا خاصا ، يصور القوم مغمورين ساهين لا يشعرون بشيء مما حولهم ولا يتبينون . كأنهم سكارى مذهولون ! ذلك أنهم لا يتبينون الأمر الواضح ، الذي يراه ويوقن به كل واع غير مذهول ؛ فهم « يَسْئَلُونَ : أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ » ؟ يسألون هكذا ، لا طلبا للعلم والمعرفة ، ولكن استنكارا وتكذيبا ، واستبعادا لمجيئه ، يعبر عنه لفظ « أَيَّانَ » المقصود ! ومن ثم يعاجلهم بمشهدهم في هذا اليوم الذي يستبعدونه ويستنكرونه ؛ وهم يحرقون بالنار كحرق المعدن لتمييز حقيقته : « يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ » ! ومعه التبكيت المؤلم في الموقف العصيب : « ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ . هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ » . . فهذه المعالجة هي الجواب اللائق بهذا التساؤل . وهذا العنف في المشهد هو المقابل للذهول والسهوة التي يعيش فيها الخراصون . وهو مصداق دعوة اللّه عليهم بالقتل في أشد صوره وأعنفها : يوم هم على النار يفتنون ! وعلى الضفة الأخرى وفي الصفحة المقابلة يرتسم مشهد آخر ، لفريق آخر ، فريق مستيقن لا يخرص ؛ تقي لا يتبجح ؛ مستيقظ يعبد ويستغفر ، ولا يقضي العمر في غمرة وذهول : « إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ . كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ . وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ » . . فهذا الفريق . فريق المتقين . الأيقاظ . الشديدي الحساسية برقابة اللّه لهم ، ورقابتهم هم لأنفسهم . هؤلاء « فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ » . . « آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ » من فضله وإنعامه ، جزاء ما أسلفوا في الحياة الدنيا من عبادة